الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

168

مناهل العرفان في علوم القرآن

مرّوا فيه ، سعوا فيه » وما جاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ « للّذين آمنوا انظرونا ، أمهلونا ، أخّرونا » . ويدفع هذا القول بوجوه : ( أحدها ) أن ما ذكر في هذه الأحاديث ليس من قبيل حصر الأحرف السبعة فيها وفي نوعها وحده حتى يصح الاستدلال بها على ما ذهبوا إليه ، بل هو - كما قال ابن عبد البر - من قبيل ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها ، وأنها معان متفق مفهومها ، مختلف مسموعها ، لا يكون في شئ منها معنى وضدّه . وكيف يكون المراد حصر الأحرف السبعة ، فيما ذكروه ؟ على حين أنه يرجع إلى بعض نوع واحد من أنواع الاختلاف ، وهو إبدال كلمة بأخرى أعمّ من أن يكون بمرادف أو غير مرادف . ولا ريب أن مذهبهم المذكور يتلخص في أنه إبدال كلمة بأخرى على شرط الترادف . وهذا بعض ذاك . فأين يذهبون بتلك الوجوه الأخرى وهي باقية إلى اليوم في القراءات المتواترة المكتوبة بين دفتي المصحف على ما بيناه في المذهب المختار . فقصر الحروف السبعة على بعض ذلك النوع وحده ، فيه ما فيه من القصور الذي أوردنا عليه ما أوردنا في الأقوال السابقة القاصرة ، بل القصور هنا أشدّ وأفحش ، لأنه يرجع إلى بعض نوع واحد لا إلى نوع كامل ، بله أنواع متعدّدة ! . ( ثانيها ) أن أصحاب هذا المذهب - على جلالة قدرهم ، ونباهة شأنهم - قد وضعوا أنفسهم في مأزق ضيق ، لأن ترويجهم لمذهبهم ، اضطرهم إلى أن يتورّطوا في أمور خطرها عظيم ، إذ قالوا إن الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل عليها القرآن . أما الستة الأخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود البتة . ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم . ثم حاولوا أن يؤيّدوا ذلك فلم يستطيعوا